منتديات عين سورية  

العودة   منتديات عين سورية > الأقســام الأمنيــة > سـري للـغـايـة
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 05-22-2008, 12:10 PM
السوري الثائر السوري الثائر غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Mar 2008
المشاركات: 80
Cool القصّة الكاملة للعرض الايراني السرّي العام 2003

المساومات الإيرانية - الأميركية... "إيران غيت" ثانية أم حرب خليج رابعة
فتح قنوات حوار مع إدارة جورج بوش عبر "ديبلوماسية الأبواب الخلفية"
نظام طهران استغل الغضب الأميركي بعد 11 سبتمبر ليعرض خدماته على واشنطن في سحق "القاعدة" و"طالبان"
علي حسين باكير/السياسة الكويتية
تاريخ: 6-3-2007/الجزء الأول
تتسارع الأحداث والتطورات في منطقة الخليج العربي بين الولايات المتحدة الأميركية وايران في الآونة الأخيرة, وينذر التصعيد المتسارع بين الطرفين بوقوع حرب كارثية لا توفر أحدا. وعلى الرغم من ان معظم السيناريوهات والكتاب يتحدثون باسهاب مطلق عن الخيار العسكري ويشيرون الى هذا الاحتمال بنسبة كبيرة, الا ان هناك من يرى ان الهدف من التصعيد الثنائي الحاصل حاليا هوفتح باب للتفاوض الديبلوماسي المباشر بين ايران وأميركا وان كان لكل منهما شروطه التي يريدها من الآخر قبل الجلوس الى طاولة الحوار.
الولايات المتحدة تريد ان تفرض هذا الخيار عبر التهديد بقوتها العسكرية الضخمة, في حين تقوم ايران باستخدام اوراقها "النووية" والاقليمية "في لبنان والعراق وفلسطين وعدد آخر من الساحات" من أجل جر أميركا للتفاوض وفق شروطها.
وبين هذا وذاك تصل المنطقة الى ما نراه ونشاهده اليوم. من هذا المنطلق, نعرض في هذا التقرير المسهب القصة الكاملة للمساومات الايرانية-الأميركية منذ العام 2001 مرورا بالعرض الايراني السري الذي تقدمت به ايران العام 2003 الى الولايات المتحدة للتفاوض عليه - والذي يجري الحديث عن اعادة احيائه حاليا- مقابل الخدمات "الجليلة" التي أدتها لأميركا في احتلال افغانستان والعراق, وكيف ادى الرفض الاميركي في مناقشة العرض الى تطور النزاع بين الطرفين واستعانة ايران بالملف النووي وحزب الله كورقة للضغط من اجل جر أميركا للموافقة على مناقشة العرض, وكيف سعت أميركا الى تجريد ايران من اوراقها قبل طرح الموضوع للنقاش, وصولا الى التطورات والأحداث التي تجري اليوم على ارض الواقع.

ادارة بوش الجديدة وبداية الحكاية
عندما استلمت الإدارة الأميركية الحالية مقاليد السلطة بعد انتهاء فترة "الرئيس بيل كلينتون", كان هناك مجموعتان تتصارعان لرسم سياسة محددة تجاه ايران. لقد كان ريتشارد أرميتاج وكيل وزارة الخارجية الأميركية والمقرب جدا من وزير الخارجية كولن باول بطل المجموعة التي تريد فتح قنوات دبيلوماسية وحوارية مع طهران. عاش ارميتاج في ايران لعدة أشهر في العام 1975 بصفته عضوا في فريق وزارة الدفاع الأميركية مهمته عرقلة او كبح جماح شراء الشاه لكم هائل من الأسلحة خوفا من تضخم قدراته العسكرية, وقد كان أرميتاج منذ تلك اللحظة مهتما جدا بايران, وقام خلال توليه منصب وكيل وزارة الخارجية باستقدام "ريتشارد هاس" المتخصص في شؤون الشرق الأوسط وذلك خصيصا من اجل رسم سياسة جديدة تجاه ايران.عمل "هاس" لأربع سنوات في فريق الأمن القومي لإدارة الرئيس بوش كرئيس لقسم الشؤون الخارجية في منطقة الشرق الأدنى وجنوب آسيا , سعى خلالها ومنذ صيف العام 2001 الى استكشاف إمكانية الانخراط مع إيران ديبلوماسيا عبر تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها وفق قانون العقوبات الليبي-الإيراني كخطوة أولى. لكن وبينما كان هذا الفريق يمهد الطريق لخط ديبلوماسي مع إيران, حصلت هجمات 11 سبتمبر 2001 ما غير مفهوم الانخراط الاميركي مع إيران كليا.

11 سبتمبر وغزو أفغانستان: بوابة الاتصال الايراني مع اميركا
في 11 سبتمبر ,2001 وبعد الهجوم الكبير الذي شنه تنظيم القاعدة مباشرة, إجتمع المحلل في وكالة المخابرات المركزية »السي أي ايه« والخبير في شؤون مكافحة الإرهاب فلاينت ليفيرت ترافقه مجموعة عمل صغيرة مع وزير الخارجية كولن باول, حيث تم اقتراح فتح قنوات مع الدول الداعمة للإرهاب والتي لن يكون باستطاعتها في هذه اللحظة ان تظهر الجانب السلبي لها لان الولايات المتحدة ستخوض حربا عالمية ضد الإرهاب بشرعية كاملة من الأمم المتحدة. وخلال اسابيع قليلة اتصلت كل من: ايران, سورية, ليبيا والسودان بالولايات المتحدة عبر قنوات مختلفة مقدمة عرضا بمساعدة الولايات المتحدة في القضاء على القاعدة.
وذكر ليفيرت حينها ان الايرانيين أبلغوه أنهم يكرهون القاعدة أكثر منهم وان لايران مصلحة وثأر في القضاء عليها, وأن بامكان ايران ان تساعد الولايات المتحدة عبر القنوات والمصادر المهمة التي تمتلكها في أفغانستان والتي من الممكن ان تكون مفيدة لها في هذا الموضوع اذا اراد الاميركيون التعاون.
إذ كانت الحكومة الايرانية من اوائل حكومات العالم التي دانت الهجوم ان لم تكن اولهم. فقد سارع الرئيس الإيراني محمد خاتمي آنذاك بإدانة هذه التفجيرات بعد ساعات فقط من وقوعها, ولأول مرة منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 تم ايقاف شعار "الموت لأميركا" في خطبة الجمعة المركزية في طهران. وأدان "محسن أرمين" نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني التفجيرات واصفًا إياها بالعمل الإجرامي غير المقبول, وقام 165 عضوًا من أعضاء مجلس الشورى البالغون 290 عضوًا بالتوقيع على وثيقة أعربوا فيها عن تعاطفهم مع الشعب الاميركي, وطالبوا بحملة دولية لمكافحة الإرهاب, وقد بعث كل من "محمد عطريا نفر", رئيس مجلس مدينة طهران, ومرتضى الويري, رئيس بلدية طهران برسالة إلى عمدة نيويورك, رودولف جولياني جاء فيها: "لقد استقبلنا الأعمال الإرهابية الأخيرة التي راح ضحيتها الكثير من المواطنين الأبرياء ببالغ الأسى والحزن, ومما لا شك فيه أن هذه الأعمال لا تستهدف مواطني مدينتكم فقط, بل إنها تستهدف كل مواطني العالم, ونحن نيابة عن مواطني مدينة طهران ندين وبشدة هذه الأعمال اللا إنسانية ومرتكبيها, ونقدم خالص مواساتنا لسيادتكم ولمجلس المدينة ولكل مواطني نيويورك الأعزاء, آملين أن يتم استئصال جذور الإرهاب".
لقد كانت تلك اللحظة بداية لفترة مميزة جدا وغير عادية من التعاون الستراتيجي بين الولايات المتحدة وايران. وبينما كانت الولايات المتحدة تستعد للهجوم على افغانستان, قام مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الادنى "ريان كروكر" بعقد سلسلة من الاجتماعات السرية مع مسؤولين رسميين ايرانيين في جنيف-سويسرا. في هذه الاجتماعات تم التباحث عما تستطيع ايران تقديمه من مساعدة في الهجوم المرتقب على أفغانستان, وقد اقترح الإيرانيون تقديم أربع انواع من المساعدة وهي:
1-نشر فرق للبحث والانقاذ لمساعدة الاميركيين على طول الحدود مع افغانستان وداخلها اذا اقتضى الأمر.
2- تقديم المساعدات الانسانية.
3- والاهم من كل هذا اعطاء الاميركيين معلومات وبيانات واحداثيات لأهم المواقع التي يجب عليهم قصفها في أفغانستان كما وعرضت على الاميركيين الكثير من النصائح بشان التفاوض مع المجوعات الاثنية والعرقية الرئيسية في البلاد ومع التوجهات السياسية لهم بعد الاطاحة بنظام طالبان من خلال خبرتهم الناجمة عن دعم تحالف الشمال ضد حركة طالبان لفترة طويلة.

استمر زخم التقارب الستراتيجي بين الاميركيين وبين الايرانيين بالصعود في نوفمبر, وديسمبر من العام 2001 في أوائل ديسمبر, وخلال مؤتمر "بون" الذي عقد بعد الاطاحة بنظام طالبان لتنصيب حكومة جديدة للبلاد, ضغط الايرانيون على حلفائهم في تحالف الشمال لتقليل المطالبة بعدد اكبر من المقاعد, كما حرصت ايران على ان يتضمن الاتفاق الختامي لغة محاربة الارهاب.
جاء ذلك بعد عرض ايراني قدمه د. محسن رضائي الأمين العام لمجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران خلال حديثه في فضائية الجزيرة عندما قال: "إن الخلاص منه -أي المستنقع الأفغاني- يجب أن يمر عبر إيران, وإذا وصلت أميركا إلى طريق مسدود في أفغانستان لابد وأن تحصل على طريق للخلاص من هذا الطريق المسدود, فإيران طريق جيد, وإيران يمكن بشتى الطرق أن تحل هذا الطريق, وتخلص المنطقة من الأزمة الحالية, وتنتهي هذه الأزمة".
وقد أشاد المبعوث الخاص الاميركي جيمس دوبنز بالدور الايراني والتعاون الكامل آنذاك وكذلك فعل المحلل في وكالة المخبرات المركزية »سي أي ايه والخبير في شؤون مكافحة الإرهاب فلاينت ليفيريت قائلا: "ما كان لاجتماع -بون- أن ينجح لولا التعاون الإيراني الكبير, لقد كان لهم فعلا نفوذ كبير على حلفائهم واقترحوا علينا استثمار هذا النفوذ التابع لهم لصالح التعاون والتنسيق الدائم بين ايران وأميركا".
ونظرا للتعاون الايراني المنقطع النظير في مرحلة تاريخية حرجة للولايات المتحدة, قام مكتب التخطيط السياسي الاميركي باعداد تقرير في نهاية نوفمبر يقترح وجود "فرصة حقيقة" لقيام تعاون كبير بين ايران والولايات المتحدة ضد القاعدة. لقد اقترح التقرير تبادلا للمعلومات وتنسيقا مشتركا على الحدود خاصة ان ايران باستطاعتها تأمين معلومات استخباراتية تكتيكية بشكل ممتاز. وقد دعم هذا الاقتراح آنذاك كل من المخابرات المركزية ومنسق مكافة الارهاب في البيت الأبيض وايني داونينغ.
لقد كانت الستراتيجية التي تبناها كل من هاس وليفيريت بدعم من ريتشارد أرميتاج وكولن باول تقتضي استغلال رغبة الدول المدرجة على لائحة الإرهاب بالتعاون مع الولايات المتحدة خاصة-سورية وإيران- وذلك من أجل إحداث تغيير جذري في السياسيات معها واستغلال المفاوضات معها من اجل فتح حوار حول دعمها للمجموعات الإرهابية للوصول إلى مساومات تقتضي شطبهم من لائحة الدول الداعمة للإرهاب إذا نفذوا ما يطلبه الاميركيون منهم بهذا الشأن.
مع إيران, فان هذه المحادثات كان يمكن لها ان تتطرق لأمور أخرى من بينها البرنامج النووي الإيراني. لقد كان فريق التخطيط السياسي المذكور يعد لجميع الخيارات والمستويات التي من الممكن ان يخاض التفاوض فيها والمنافع التي يمكن ان تقود إليها هكذا مفاوضات مع إيران للطرفين, حيث تتراوح العروض من دعم عضوية ايران في منظمة التجارة العالمية وصولا الى إعطائها ضمانات امنية. وقد وصف ويلكرسون رئيس الفريق المساعد لوزير الخارجية الأميركية آنذاك لـ كولن باول الخطة بأنها اتفاق حقيقي كبير.
تم اعتبار الفترة الممتدة بعد 11 سبتمبر 2001 من أكثر الفترات الواعدة والايجابية للانفتاح الايراني على أميركا منذ انقطاع العلاقات بين البلدين في العام 1979 وقد كشفت ايران نفسها فيما بعد عن مدى هذا التعاون بينها وبين أميركا والخدمات الجليلة التي قدمتها لها في محاول للتقرب من "الشيطان الأكبر", اذ نقلت وسائل الاعلام في 9/2/2002م عن رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الرئيس الإيراني السابق; علي أكبر هاشمي رفسنجاني قوله في يوم 8 فبراير في خطبته بجامعة طهران: "إن القوات الإيرانية قاتلت طالبان, وساهمت في دحرها, وإنه لولم تُساعد قواتهم في قتال طالبان لغرق الاميركيون في المستنقع الأفغاني...يجب على أميركا أن تعلم أنه لولا الجيش الإيراني الشعبي ما استطاعت أميركا أنْ تُسْقط طالبان.
ونقلت الوكالات فيما بعد في 15 مارس 2002 عن صحيفة نوروز الايرانية ما أكده نائب رئيس مجلس الشورى الإيراني الإصلاحي محسن أرمين عن "وجود اتصالات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران, وان هذه الاتصالات لطالما كانت قائمة في السنوات الماضية, وبحسب مصادر سياسية في إيران تمت مثل هذه 'الاتصالات' في الأشهر الماضية في عدد من الدول الأوروبية".
لكن حصلت استدارة أميركية فيما بعد عبر المحافظين الجدد في البيت الأبيض. ووفقا للخبير بالشؤون الايرانية والمؤرخ غارثر بورتر, فقد عرقل المحافظون الجدد هذا الانفتاح وذهبت كل خدمات إيران سدا عندما تم وضعها في لائحة محور الشر كما أراد الرئيس بوش رغم معارضة مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايز ونائبها ستيفن هادلي لذلك, فيما ساند كل من نائب الرئيس ديك تشيني, ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد واليميني دوغلاس فيث توجهات بوش تجاه ايران".
وفي ذلك الوقت, تم تسريب العديد من الاخبار عن ان ايران تقوم بتهريب عناصر القاعدة المنسحبين من أفغانستان وتسهيل دخولهم الى أراضيها. لكن وفقا للمحلل في وكالة المخبرات المركزية »السي أي ايه« والخبير في شؤون مكافحة الإرهاب فلاينت ليفيريت والذي التقى مسؤوليين رسميين ايرانيين في جنيف مرات عديدة, فان الحقيقة كانت ان الايرانيين قد اتخذوا خطوات كبيرة وتعانوا بشكل فعال مع واشنطن, وان هذا التسريب عن تعاون ايران مع القاعدة كان يهدف الى ضرب الانفتاح الايراني.
يقول ليفيريت: حتى ان الادارة الأميركية طلبت من الايرانيين آنذاك ان يزيدوا من عدد حراس الحدود على تلك الجبهة لرصد عناصر القاعدة ومواجهتهم في ذلك الوقت, فقامت ايران بالاستجابة فورا لهذا الطلب, بل انها استجابت أيضا لطلب واشنطن حجز أي من الواردة اسماؤهم على لائحة تم تقديمها للايرانيين, وطلبت واشنطن من ايران ان تمنع هروب أي من الواردة اسماؤهم في القائمة والذين من الممكن ان يكونوا قد دخلوا ايران سرا, فقامت ايران بتعميم اسمائهم على الحدود تلبية لطلب واشنطن.
انعكس التراجع الاميركي على الوضع الايراني, ورات ايران انها لم تحصل على شيء مهم مقابل ما قدمته للادارة الأميركية من خدمات جليلة وكبيرة جدا ما كان باستطاعة أحد في المنطقة ان يقدمها, فانعكس ذلك بشكل سلبي على القيادة الايرانية واعلن آية الله "علي خامنئي" في مايو من العام 2002 ان المفاوضات مع الولايات المتحدة أمر عديم الفائدة.

الفرصة الايرانية الثانية: مساعدة أميركا في غزو العراق مقابل الحصول على مكاسب ستراتيجية
شكلت الحرب المرتقبة على العراق فرصة اخرى لقيام كل من ايران والولايات المتحدة بفتح قنوات اتصال بينهما. فقد اعتقدت ايران ان الفرصة سانحة لاعادة اختبار الموقف الاميركي الذي يحتاج الى ايران بشدة في هكذا موقف, وبالتالي امكانية كسب صفقة مهمة جدا مع الاميركيين على حساب العراق والمنطقة.
وبالفعل فقد انقلبت الحسابات الايرانية بشكل دراماتيكي من جديد عندما قررت الولايات المتحدة غزوالعراق. ففي أواخر العام 2002 قام السفير الاميركي في أفغانستان زلماي خليل زاد بعقد اجتماعات مع مسؤولين حكوميين ايرانيين في جينيف-سويسرا عبر ديبلوماسية الأبواب الخلفية التي تشتهر ايران بها منذ الثورة الاسلامية, طالبا المساعدة في نقطتين اثنتين مبدئيا:
- الاولى تتمحور حول مساعدة ايران لأي طيار أمريكي تسقط طائرته في الأراضي الايرانية خلال الهجوم على العراق.
- اما الثاني فيتمحور حول الطلب من ايران عدم ادخال أي قوات اوميليشيات الى داخل العراق خلال الهجوم.
لقد وافقت ايران على هذين المطلبين مقابل وعد أولي من قبل زلمان خليل زاد بان لا يتم مهاجمة ايران بعد الاطاحة بنظام صدام حسين.
وعلى الرغم من التعاون الايراني والاستجابة الأميركية, كان هناك شك لدى كل طرف بنوايا الطرف الأخر وانه يبيت له. لقد كان هناك اقتناع لدى المسؤولين في مجلس الأمن القومي الايراني أن الولايات المتحدة ما ان تنتهي من العراق وتتمركز فيه وتستقر حتى تبادر إلى الهجوم على ايران. وقد اكد ذلك تريتا بارسي المتخصص في السياسة الخارجية الإيرانية في جامعة "جون هوبكنز" للعلاقات الدولية المتقدمة, والذي التقى عددا كبيرا من المسؤولين الايرانيين وأجرى معهم كما من اللقاءات والمقابلات ومن بينهم رئيس مجلس الأمن القومي الايراني ووزير الخارجية الايرانية أيضا, حيث نقل وجهة نظرهم القائلة " اذا لم نفعل شيئا الآن, فستكون ايران التالية".
رأى المسؤولون الرسميون الايرانيون ان الفرصة الوحيدة لكسب الادارة الأميركية تكمن في تقديم مساعدة اكبر واهم لها في غزوالعراق عبر الاستجابة لما تحتاجه, مقابل ما ستطلبه ايران منها, على امل ان يؤدي ذلك الى عقد صفقة متكاملة تعود العلاقات الطبيعية بموجبها بين البلدين وتنتهي مخاوف الطرفين.
عمل الايرانيون على استغلال فترة الهجوم الاميركي على العراق من أجل طرح "صفقة" مع الولايات المتحدة تمهد الطريق امامهم لتحسين العلاقات والتفاوض لمصلحة ايران. وبالفعل في بداية عام ,2003 كان الايرانيون يعتقدون انهم يمتلكون ثلاث عناصر جديدة تخولهم دفع وجر أميركا للتفاوض وهي:
أولا: النفوذ الايراني الكبير في عراق ما بعد صدام, من خلال الميليشيات والأحزاب السياسية الشيعية والمنظمات الشيعية العسكرية التي تم تدريبها في ايران والتي عادت إلى العراق لتنخرط في إطار الحكم.
ثانيا: قلق ادارة بوش المتزايد حول البرنامج النووي الايراني.
ثالثا: رغبة الاميركيين في استجواب عناصر تنظيم القاعدة الذين قامت ايران باحتجازهم في العام 2002 .
وبينما كان الاميركيون يغزون العراق في ابريل من العام ,2003 كانت ايران تعمل على اعداد "اقتراح" جريء ومتكامل يتضمن جميع المواضيع المهمة ليكون أساسا لعقد "صفقة كبيرة" مع الاميركيين عند التفاوض عليه في حل النزاع الاميركي-الايراني.
قام "صادق خرازي" سفير ايران في فرنسا آنذاك وهو قريب وزير الخارجية الايراني "كمال خرازي" بصياغة مسودة "وثيقة الاقتراح" وقد حصلت هذه المسودة على موافقة مباشرة من القادة الايرانيين وعلى رأسهم المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية "علي خامنئي". ومن أجل التأكيد على ان هذه الوثيقة هي اقتراح رسمي جاد من ايران, تم ارفاقها برسالة تبين موافقة المرشد الأعلى للجمهورية شخصيا عليها, وتم تسليمهما الى السفارة السويسرية في طهران (والتي تلعب دور راعي المصالح الأميركية بعد انقطاع العلاقات الديبلوماسية الثنائية الايرانية-الأميركية) الى شخص السفير "تيم غولديمان" الذي لعب دور الوسيط وقام بنقلها الى الإدارة الأميركية.
وقد اكدت المقابلات التي أجراها تريتا بارسي مع مسؤولين رسميين ايرانيين في اغسطس من العام 2004 موافقة وانخراط المرشد الاعلى علي خامنئي على هذه الوثيقة وموافقته على الصفقة.
(* ) باحث في العلاقات الدولية
(يتبع)---------------------------------

الخميس,آذار 08, 2007
خاص: القصّة الكاملة للعرض الايراني السرّي العام 2003-الحلقة الثانية
المساومات الإيرانية - الأميركية... "إيران غيت" ثانية أم حرب خليج رابعة
العرض المفاجئ أثار لغطا كبيرا في الادارة الاميركية وجدلا بين الحمائم والصقور
طهران عرضت على واشنطن الاعتراف بإسرائيل والتخلي عن "النووي" و"حزب الله" مقابل الوصاية على الخليج
علي حسين باكير/السياسة الكويتية
تاريخ:7-3-2007/الجزء الثاني
العرض الايراني السري: نعترف بإسرائيل ونتنازل عن النووي ونوقف دعم حزب الله مقابل منحنا الوصاية على الخليج والاعتراف بنا قوة اقليمية شرعية
تم ارسال العرض الايراني او الوثيقة السرية إلى واشنطن في الوقت المناسب الذي كان يجتمع فيه كل من مبعوث إيران لدى الأمم المتحدة جواد ظريف مع خليل زاد في جنيف"-سويسرا في 2 مايو 2003 وقد وصلت نسخة من الاقتراح-الوثيقة الى وزارة الخارجية الأميركية عبر الفاكس, ونسخة اخرى تم تسليمها لوسيط أميركي شخصيا.
عرضت ايران ايضا في هذا الاجتماع الثنائي الخاص قيامها بعمل حاسم وسريع ضد أي مجموعات ارهابية تتواجد على اراضيها وخاصة فيما يتعلق بالقاعدة. ومقابل ذلك طالبت ايران الولايات المتحدة بعمل حاسم ضد المجموعات الارهابية الايرانية لاسيما منظمة مجاهدي خلق (منظمة مجاهدي خلق المعارضة للنظام الايراني الحالي كانت الولايات المتحدة ادرجتها على قائمة المنظمات الارهابية خلال فترة كلينتون وذلك في محاولة لتحسين العلاقات الثنائية آنذاك, ومازالت على القائمة) التي حاربت الى جانب الجيش العراقي في الحرب مع ايران, وان تقوم الولايات المتحدة باتخاذ الاجراءات المناسبة السريعة فيما يتعلق باعضاء المنظمة الموجودين على اراضيها.
وفي هذا الاجتماع الخاص, اقترح جواد ظريف تبادل المعلومات بين الطرفين حول تنظيم القاعدة ومنظمة مجاهدي خلق في اتفاق منفصل. ووفقا لـ فلاينت ليفيريت, فان ظريف عرض على خليل زاد تسليم الولايات المتحدة قائمة بأسماء قياديي القاعدة المحتجزين في ايران, مقابل الحصول على لائحة بأسماء أعضاء منظمة مجاهدي خلق الذين اسرتهم أميركا في العراق.
اما بالنسبة الى العرض الايراني السري, فقد كانت دائرة الأشخاص الذين يعرفون به سواءا من الجهة الايرانية اومن الجهة الأميركية ضيقة جدا, والسبب في ذلك حسبما أشار أحد المسؤولين الايرانيين الرفيعي المستوى أن لا يتحول الوضع الى فضحية ايران-غيت ثانية.
يقول غارثر بورتر وهو مؤرخ وصحافي متخصص في الكتابة عن السياسة الأميركية تجاه ايران, ويبدي تعاطفا شديدا تجاهها وانتقادا لاذعا للادارة الأميركية لعدم التعاون معها وتنمية العلاقات المشتركة للبلدين, وهو احد الاشخاص القلائل الذين اطلعوا شخصيا على الوثيقة الى جانب المتخصص في السياسة الخارجية الإيرانية في جامعة جون هوبكنز للعلاقات الدولية المتقدمة تريتا بارسي: تعترض الوثيقة المؤلفة من صفحتين على الخط السياسي الرسمي لإدارة جورج بوش باتهام ايران بأنها تسعى الى تدمير إسرائيل ودعم الإرهاب في المنطقة".
لقد عرض الاقتراح الايراني السري مجموعة مثيرة من التنازلات السياسية التي ستقوم بها ايران في حال تمت الموافقة على الصفقة الكبرى وهو يتناول عددا من المواضيع منها: برنامجها النووي, سياستها تجاه اسرائيل, ومحاربة القاعدة. كما عرضت الوثيقة انشاء ثلاث مجموعات عمل مشتركة أميركية-ايرانية بالتوازي للتفاوض على خارطة طريق بخصوص ثلاثة مواضيع: أسلحة الدمار الشامل, الإرهاب والأمن الاقليمي, التعاون الاقتصادي".
وفقا لـبارسي, فان هذه الورقة هي مجرد ملخص لعرض تفاوضي إيراني أكثر تفصيلا كان علم به في العام 2003 عبر وسيط سويسري نقله الى وزارة الخارجية الأميركية بعد تلقيه من السفارة السويسرية أواخر ابريل اوائل مايو من العام 2003 .
وتضمنت الوثيقة السرية الايرانية لعام 2003 والتي مرت بمراحل عديدة منذ 11 سبتمبر 2001 ما يلي:
1- عرض إيران استخدام نفوذها في العراق لـ (تحقيق الأمن والاستقرار, انشاء مؤسسات ديمقراطية, وحكومة غير دينية).
2- عرض ايران شفافية كاملة لتوفير الاطمئنان والتأكيد بأنها لا تطور أسلحة دمار شامل, والالتزام بما تطلبه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل كامل ودون قيود.
3- عرض ايران ايقاف دعمها للمجموعات الفلسطينية المعارضة والضغط عليها لإيقاف عملياتها العنيفة ضد المدنيين الإسرائيليين داخل حدود إسرائيل العام 1967 .
4- التزام ايران بتحويل حزب الله اللبناني الى حزب سياسي منخرط بشكل كامل في الاطار اللبناني.
5- قبول ايران بإعلان المبادرة العربية التي طرحت في قمة بيروت عام ,2002 أوما يسمى طرح الدولتين والتي تنص على إقامة دولتين والقبول بعلاقات طبيعية وسلام مع إسرائيل مقابل انسحاب إسرائيل إلى ما بعد حدود 1967.
واشترطت إيران مقابل تقديمها هذه التنازلات عددا من الشروط التي وردت في هذه الوثيقة السرية المقدمة العام 2003 إلى الإدارة الأميركية منها:
1- إنهاء السلوك العدائي للولايات المتحدة تجاه ايران بما فيه الغاء تصنيفها ضمن محور الشر وتسميتها دولة داعمة للارهاب".
2- رفع العقوبات الاقتصادية والتجارية كليا عن ايران, والافراج عن الأموال المجمدة لها في الولايات المتحدة واسقاط كافة الأحكام القضائية الصادرة بحقها والمساعدة في تسهيل انخراطها في المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية.
3- اتخاذ موقف حازم ونهائي ضد من اسمتهم ارهابيي حركة مجاهدي خلق المعاديين لايران خاصة الموجودين على الأراضي الأميركية,واحترام مصالح ايران القومية والشرعية في العراق وعلاقاتها الدينية في النجف وكربلاء.
4- السماح لايران بالوصول الى الطاقة النووية السلمية ومصادر التكنولوجيا البيولوجية والكيماوية.
5- والأهم من كل هذه المطالب, مطلب ايران بالحصول على إقرار واعتراف أميركي بـ(شرعية مصالحها الأمنية في المنطقة كقوة إقليمية شريعة) والتي تعني وفق نفس المصدر الذي اطلع على الرسالة السرية منحها الوصاية اواليد العليا في الخليج والاشتراك في الترتيبات الأمنية المستقبلية للمنطقة, بالاضافة الى الحصول على ضمانات بعدم التعرض لعمل عسكري.
المفاجأة الكبرى في هذا العرض كانت تتمثل باستعداد ايران تقديم اعترافها باسرائيل كدولة شرعية!! لقد سبب ذلك احراجا كبيرا لجماعة المحافظين الجدد والصقور الذين كانوا يناورون على مسألة تدمير ايران لاسرائيل و"محوها عن الخريطة".
بالنسبة لعدد من الأكاديميين الاميركيين المختصين بالشؤون الايرانية وحتى العديد من الأوساط الاسرائيلية البحثية فان ذلك لم يكن ذلك مفاجأ. هم يعرفون ان التهديدات الايرانية لاسرائيل ومسألة العداء هي امر مصطنع وموجه للطبقة العامة من الناس بغرض كسب التعاطف والدعم, وليس ادل على ذلك من الرسائل التي تشير دائما الى وجود علاقات سرية وتعاون بين الجمهورية الاسلامية الايرانية واسرائيل. فعلى سبيل المثال, يقول افرايم كام وهوأحد أشهر الخبراء في مجال الاستخبارات والباحث في مركز جافي للدراسات الستراتيجية في جامعة تل أبيب", في دراسة له اعدها بتكليف من وزارة الدفاع الاسرائيلية: ان ايران من ناحية عملية لا تعتبر اسرائيل العدوالاول لها ولا حتى الاكثر أهمية من بين أعدائها...وعلى الرغم من الخطاب السياسي الايراني المناكف لاسرائيل اعلاميا, الا ان الاعتبارات التي تحكم الستراتيجية الايرانية ترتبط بمصالحها ووضعها في الخليج وليس بعدائها لاسرائيل, وهي تبدي حساسية كبيرة لما يجري في دول الجوار".
ومثله نقل معهد omedia البحثي الإسرائيلي في تقرير مهم له بعنوان إيران بحاجة الى إسرائيل للباحث زيو مائور جاء فيه: أن إيران لا تشكل أي خطر على إسرائيل ولا تريد تدميرها, بل هي في حاجة لإسرائيل وتعتبرها مكسبًا ستراتيجيًا مهما حتى تظل قوة عظمى في المنطقة... وهي تستغل وتستخدم اسرائيل كذريعة لتحقيق أهدافها ولدعم مكانتها الإقليمية ولنشر مبادئ الثورة الإيرانية تحت شعار معاداة اسرائيل".. ان التصريحات الدعائية الإيرانية ضد الولايات المتحدة الأميركية أيضا هي من باب الاستهلاك الإعلامي فقط".
مثل هذه الخلاصات عن حقيقة العلاقة بين ايران واسرائيل ليست يتيمة, وهناك شواهد كبيرة جدا تؤكد وتدعم هذا التوجه لدى عديد من الأطراف بما في ذلك الايرانية والاسرائيلية والأميركية.
تم اهمال العرض الايراني التاريخي الكبير من قبل صقور الولايات المتحدة في البيت الأبيض. لكن اذا كانت ايران طرحت الاعتراف باسرائيل وقدمت كل هذه التنازلات, فما الذي حال دون موافقة الاميركيين على عقد مثل هذه الصفقة?
تشير بعض المصادر ان سبب الاهمال اوالرفض الاميركي هوان العرض لم يكن رسميا ولم يكن باستطاعة الجهات الاميركية التمييز بين ما قامت ايران بطرحه وبين ما اضافه السفير السويسري الوسيط تيم غولدمان", معتبرة أنه كان مجرد بالون اختبار لابتزاز الولايات المتحدة مقابل الحصول على مكتسبات كبيرة جدا. هذا فيما يعتقد البعض الآخر ان السبب هوالمناورة الايرانية وان الاميركيين كانوا سيناقشون الطرح فيما لو تم بطريقة مباشرة ورسمية وليس عبر وسطاء وتسريبات, فيما ترى مصادر اخرى ان السبب الحقيقي لاهمال العرض يكمن في عنصرين أساسيين:
الأول: هوان ايران اعطت نفسها قدرا اكبر من الوزن والقوة والمكانة الإقليمية والدولية عندما ساوت نفسها بالولايات المتحدة وهو الأمر الذي ما كان يتم قبوله للاتحاد السوفياتي فكيف بايران!! وهو الأمر الذي لم يعجب صقور الادارة الذين كانوا يرون ان الولايات المتحدة قادمة لتغيير الأنظمة في الشرق الأوسط بدءا من افغانستان وليس انتهاءا بالعراق وقد يكون الدور على النظام الإيراني تاليا, خاصة ان أميركا كانت في موقع قوي عسكريا وسياسيا خاصة ان المقاومة العراقية لم تكن قد بدأت اعمالها بعد.
الثاني: وهو العنصر الأهم, ان المشكلة تكمن في المطلب الايراني باعطائها الوصاية على الخليج والاعتراف بها قوة شرعية. اذ ان الاستجابة لمثل هذا الطلب يعني تحويل ايران الى قوة عالمية تسيطر على نفط العالم عبر الخليج وتتحكم بالممرات وعوامل القوة وتبتز الآخرين متى تشاء, وهذا أمر مرفوض بتاتا في السياسة الأميركية خاصة أن الولايات المتحدة كانت قد حسمت أمرها في اخضاعه لاشرافها مباشرة لاسيما بعد تجربة الشاه وتجربة صدام التي كادت تحول هذين النظامين الى قوة عالمية تتحكم بالدول العظمى.
اما بالنسبة الى الاقتراح الثاني الأقل اهمية الذي ورد في اجتماع جواد ظريف مع خليل زاد في جنيف-سويسرا, فقد تمت مناقشته في الإدارة الأميركية وعلى الرغم من انه لم يقر بشكله المطروح, الا ان الولايات المتحدة قامت باتخاذ خطوات محددة في ذلك الوقت تجاه جماعة مجاهدي خلق في العراق مقابل الحصول على معلومات محددة من قبل الايرانيين عما هو متوفر لديها من تحركات للقاعدة. وقد أجاز البيت الأبيض عبر الرئيس بوش لوزارة الخارجية متابعة الاتصالات مع الإيرانيين في جنيف.
في هذه الأثناء, كان جناح تشيني, رامسفيلد, وفايث غير مرتاح للنوايا الإيرانية, وحصلت حينها تفجيرت في الرياض ادت إلى مقتل (8) أميركيين وعدد كبير من السعوديين, وقد اتهمت المخابرات الأميركية حينها إيران بإيوائها المخططين لهذه التفجيرات, في حين ان إيران كانت قد أعلنت انه لوكان هناك فعلا عدد من التابعين للقاعدة على أراضيها, فان هذا لا يعني انها تأويهم, اذ لا يمكن مراقبة الحدود الشاسعة اوالسيطرة عليها كليا.
وبغض النظر سواءا كان هذا صحيحا أم لا, فقد استغل الجناح الاميركي المتشدد هذه الحوادث وأقنع بوش بان إيران تساعد القاعدة على استهداف الاميركيين, فقام بوش بإلغاء اجتماع كان من المقرر للأميركيين ان يجتمعوا خلاله بوفد إيراني في 21 مايو ,2003وبذلك قطعت قناة الاتصال الديبلوماسية الوحيدة مع الايرانيين.

جناح الحمائم الاميركي يصطدم بصقور المحافظين الجدد منعا لتغيير النظام الايراني
حاول فريق وزير الخارجية الأميركية كولن باول التحرك لابقاء قناة الاتصال مع الايرانيين مفتوحة, فقرر متابعة موضوع وملف مجاهدي خلق والالتزام بما تم طرحه في الاقتراح الثاني خلال اجتماع كل من مبعوث إيران لدى الأمم المتحدة جواد ظريف مع خليل زاد في جنيف"-سويسرا في 2 مايو 2003 وقام كولن باول بإرسال رسالة رامسفيلد -الذي سمح لمجموعات مجاهدي خلق بالتنقل من والى المخيم بحرية- يذكره فيها بأن مجموعات مجاهدي خلق المتواجدين بالعراق هم اسرى لدى القوات الأميركية وليس حلفاء, وانه لا يجوز السماح لهم بالتنقل بحرية من والى المخيم الذي يقيمون فيه.
ونتيجة للتجاذب الاميركي الداخلي, وافقت الادارة الأميركية على اعادة فتح ابواب الحوار مع ايران شرط ان تقوم بداية بتسليم الولايات المتحدة قيادات القاعدة الموجدين لديها اواعطاء معلومات مهمة بشانهم. فنقل ريتشارد أرميتاج -الذي اعرب المسؤولون الايرانيون عبر قنوات خلفية عديدة عن تمنياتهم بان يرأس هوأي وفد للحوار أو الاتصال مع طهران لكونه مهتم جدا بالانفتاح على ايران وعاش فيها عددا من السنوات ولديه خلفية جيدة عنها- هذه الرسالة في شهادة له أمام الكونغرس الاميركي في اكتوبر ,2003 قائلا: الولايات المتحدة ستكون مستعدة لإجراء حوار واسع النطاق مع ايران لكن بعد ان تقوم الأخيرة بتسليم قادة القاعدة الموجودين لديها اومشاركة معلومات مهمة عن جميع قادتها المهمين".
أصر صقور الادارة الأميركية على تطبيق ما اصطلح على تسميه قواعد هادلي في الانفتاح على ايران اذا كانت راغبة في فتح قناة اتصال,. هذه القواعد كانت تفرض على ايران تنفيذ ما يطلب منها اولا ومن ثم الحديث عن المواضيع التي سيتم النقاش حولها.
وبحلول الفصل الأخير من سنة ,2003 كانت ايران رات في برنامجها النووي فرصة لفتح نقاش وحوار مع الدول الأوروبية وبالتالي توسيع أي اطار اقليمي ودولي لمواجهة أي جهد أميركي يسعى لعزلها بعدما شعرت الأخيرة ان المحافظين الجدد جادين في مسألة تغيير النظام الايراني اوعلى الأقل زيادة الضغط عليه في المرحلة المقبلة.
في ذلك الوقت تسربت العديد من السيناريوهات الأميركية لاسقاط النظام في ايران عبر هجوم عسكري كبير, فيما طرحت بعض الاوساط اعتماد اساليب اخرى غير عسكرية لاخضاع النظام الايراني. فقد إقترحت مؤسسة اميركان إنتربرايز أن يتم العمل على تطوير سياسة الحصار الاقتصادي- العسكري لأيران ليصبح حصارا إيديولوجياً أيضا, من خلال مواصلة مشروع إدارة بوش في نشر الديموقراطية في الشرق الاوسط, على أن يتم العمل على تحقيق هدفين:
- منع إيران من الحصول على دعم قوى كبرى. وبرغم ان قطع علاقات إيران بالصين سيكون صعباً, إلا ان الامر ليس كذلك مع الهند التي يمكن إغراؤها بقطع علاقتها مع طهران مقابل إقامة تحالف ستراتيجي بينها وبين أميركا. (وهذا بالتحديد مع فعله بوش خلال زيارته الأخيرة للهند).
- أما الهدف الثاني فهو أن تحتفظ الولايات المتحدة بالمبادرة في مشروعها الجديد للإصلاح والتغيير في الشرق الاوسط الكبير.
فالعزل الحقيقي للنظام الإيراني لن يتحقق إلا حين يغرق هذا الاخير في بحر أكبر من الحكومات الليبرالية القابلة للمساءلة في المنطقة. وإذا ما استقرت الديمقراطية في أفغانستان والعراق, برغم إستمرار أعمال العنف فيهما, فستتعرض إيران الى مخاطر مضاعفة في الداخل.
امتعضت ايران من التصرف الاميركي الذي لم يكافئها على دورها الايجابي وعمل على محاصرتها, فصرح محمد علي أبطحي نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية آنذاك الإمارات في ختام أعمال مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الستراتيجية بإمارة أبوظبي في 15/1/2004م قائلا: قدمنا الكثير من العون للأميركيين في حربيهم ضد أفغانستان والعراق....ولولا التعاون الإيراني لما سقطت كابول وبغداد بهذه السهولة!!... لكننا بعد أفغانستان حصلنا على مكافأة وأصبحنا ضمن محور الشر, وبعد العراق نتعرض لهجمة إعلامية أميركية شرسة".
حاول جناح الحمائم في الادارة الأميركية التوصل الى تسوية, فاقترحت بعض الأوساط الأميركية في تلك الفترة من العام 2004 بأن يتم انتهاج سياسة الانخراط الانتقائي في التعامل مع ايران, وذلك كحل وسط بين عقد صفقة كبيرة مع النظام الايراني تشرعن وجوده وتعترف به قوة اقليمية لها كلمة ووزن فيما يحصل في الخليج, وبين خيار الاطاحة بالنظام الايراني واسقاطه بعمل عسكري, وبالتالي تفادي ما يمكن ان ينتج عن أحد هذين الخيارين من تداعيات اقليمية ودولية.
ويعد كل من روبرت غيتس مدير وكالة المخابرات المركزية سابقا في عهد ادارة جورج بوش الأب ومدير جامعة تكساس, ورد اسمه في فضيحة ايران-كونترا,(أصبح وزيرا للدفاع في العام 2006), وزبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الاميركي في عهد كارتر والذي يعمل مستشارا في مركز الدراسات الستراتيجية والدولية واستاذا للسياسة الخارجية في جامعة هوبكنز , من أبرز الداعين الى اعتماد سياسة الانخراط الانتقائي مع ايران. وقد شارك الاثنان في اعداد تقرير أصدره مجلس العلاقات الخارجية الاميركي في يوليو2004 على شكل توصيه للادارة الأميركية بعنوان: ايران: حان الوقت لمقاربة جديدة إقترحا فيه اعتماد مواضيع محددة في الحوار المباشر بين أميركا وايران مع استبعاد خياري الصفقة الكبرى من جهة وتغيير النظام من جهة اخرى. وقد جاءت ابرز توصيات التقرير باختصار على الشكل التالي:
1- تقديم عرض لايران بقبول الحوار المباشر معها حول مواضيع تحقيق الاستقرار الاقليمي وذلك عبر تصريح اوبيان يتبعه خطوات عملية في هذا الاطار, لان من شأن هذا التحرك ان يؤسس لتعاون ايراني بناء في دعم حكومتي العراق وافغانستان وبالتالي يعزز الثقة في الحديث عن الهواجس المتأتية من تحركات ايران الاقليمية ومناقشتها بشكل ايجابي.
2- دفع ايران الى توضيح وضع قيادات القاعدة الذين القت القبض عليهم عندها, وفتح حوار حول الموضوع الأمني بشرط ان لا يكون لايران أي دور مشبوه في قضايا العنف والارهاب, ومقابل ذلك تعمل الولايات المتحدة على تفكيك قواعد مجاهدي خلق في العراق بشكل نهائي تمهيدا لتقديم قياداتهم للعدالة.
3- تطوير ستراتيجية أكثر فعالية بخصوص البرنامج النووي الايراني بالتعاون مع الحلفاء في أوروبا وروسيا, والتوصل الى اتفاق مقبول مقابل ان تقوم ايران بالتخلي كليا عن تخصيب اليورانيوم ودورة الوقود الكاملة.
4- العمل على اعادة احياء عملية السلام كي لا تقوم أي اطراف ومن ضمنها ايران باستغلال الوضع.
5- تطوير العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية مع الشعب الايراني والسماح للمنظمات الغير حكومية الأميركية بالعمل في ايران, والبدء في محادثات انضمام ايران الى منظمة التجارة العالمية.
حاولت ايران استدراك هذا الحراك الداخلي الاميركي الذي يدعم الانفتاح معها, فلجأت الى الديبلوماسية الثقافية", وقامت بارسال دعوة رسمية الى رئيس المكتبة القومية الأميركية والأرشيف الدكتور جميس بيلينغتون والذي يعد أيضا من المسؤولين الكبار في السلطة القضائية الأميركية, فقام بزيارته الى ايران في نوفمبر 2004 بعلم وموافقة كل من وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي الاميركي ليكون بذلك ثاني أكبر مسؤول أميركي يزور ايران منذ اندلاع الثورة الايرانية بعد زيارة مستشار الامن القومي الاميركي روبرت ماكفرلين السرية الى ايران والتي تم الكشف عنها فيما بعد في اطار فضيحة ايران-جيت والمثلث الاسرائيلي-الايراني-الاميركي.
كانت ايران تحاول ارسال رسالة واضحة من خلال هذا النوع من الديبلوماسية على امل ان تكون على منوال ديبلوماسية البينغ-بونغ الأميركية-الصينية. لكن الواقع في الداخل الاميركي كان قد تجاوز هذا الطرح تمام وذلك لان فوز الرئيس جورج بوش لولاية ثانية ادى الى تقوية المحافظين الجدد خاصة بعد ان تم العمل على تصفية الحمائم الموجودين داخل الادارة الأميركية لاسيما في وزارة الخارجية من أولئك المهتمين بالانخراط مع ايران في محاداث مباشرة مفتوحة.
وقد رات الادارة الأميركية الجديدة ان هكذا طرح لن يفيد ولن يوقف ايران عن تحقيق مشروعها النووي العسكري, اذ ان اعتماد هكذا سياسية سيؤدي الى نفس العواقب التي ادت اليها سياسة واشنطن المتساهلة مع كوريا الشمالية ابان فترة كلنتون, حيث لم تنفع المحادثات ولا سياسة الجزرة في ابعاد كوريا الشمالية عن تحقيق برنامج نووي عسكري خاص بها.
وعندما أصبح النقاش الاميركي والدولي يدور حول برنامج ايران النووي والسلاح النووي, انتقل الملف داخليا من يد الحمائم في الخارجية الأميركية الى يد الصقور فيها وتحديدا الى يد جون بولتون نائب وزير الخارجية لشؤون الرقابة على التسلح والأمن الدولي والعضو البارز في تيار المحافظين الجدد الاميركي. لقد كانت سياسة جون بولتون تقتضي زيادة الضغوط على ايران عبر التصويت على نقل ملفها من وكالة الطاقة الذرية الى مجلس الأمن من اجل دفعها الى ايقاف دورة الوقود النووي بشكل كلي.
في هذه المرحلة بالذات قامت ايران بالتواصل مع الدول الاوروبية من اجل منع الولايات المتحدة من تحقيق هدفها في نقل الملف الى مجلس الامن او ايقاف ايران عن اكمال عملها في تحقيق دورة الوقود النووية الكاملة. لكن جميع المؤشرات في تلك الفترة كانت تشير الى ان ايران قد غيرت فعلا توجهها وباتت لا تفضل مناقشة أي طرح او اقتراح او تسوية مع الولايات المتحدة, والسبب في ذلك وفقا لمصادر رفيعة المستوى ان ايران رأت في ذلك الوقت ان الولايات المتحدة قوية جدا وتمتلك جميع اوراق اللعبة في الشرق الأوسط وان هذا سيضعف الموقف الايراني في أي مفاوضات مباشرة ولن يكون لدى ايران ما يمكن ان تستخدمه فيها في تلك المرحلة", وعليه, فقد قرر المرشد الأعلى للثورة الايرانية علي خامنئي -وفق نفس المصدر- ارجاء هذا الموضوع الى حين حصول تغييرات لصالح ايران تمكنها من دخول أي مفاوضات مباشرة من موقع القوة, وهو من اجل ذلك قام بالايعاز الى اجهزة الدولة الايرانية من الباسيج و"الباسدران حرس الثورة وعناصر حزب الله وأجهزة المخابرات والجيش بالتصويت للمرشح الرئاسي أحمدي نجاد لان المرحلة تتطلب تصعيدا ورفسنجاني ليس رجلها. فأصبح أحمدي نجاد الرئيس في العام 2005 وشهدت هذه السنة تصعيدا كبيرا في علاقة ايران مع جيرانها ومع المنظومة الدولية نتيجة لتشدد الرئيس الجديد واتباعه نهج تصدير الثورة الايرانية وافكارها. وكان وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي نقل في مذكراته التي اصدرها اخيرا كلاما مهما عن الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد -يعبر عن هذا التوجه الثوري ومداه- قوله في سبتمبر 2005 علينا أن نتمنى أن تعم الفوضى بأي ثمن, لنرى عظمة الله".

(يتبع)
-----السبت,آذار 10, 2007


خاص: القصّة الكاملة للعرض الايراني السرّي العام 2003-الحلقة الثالثة و الأخيرة
علي حسين باكير/السياسة الكويتية
تاريخ: 8-3-2007/ الجزء الثالث و الأخير
العام 2006 ايران تحيي آمالها بعقد الصفقة من جديد و توصيات أمريكية بضرورة الاتصال المباشر معها
مع مرور الوقت, أخذ مكتسبات الولايات المتّحدة و قوتّها تتراجع شيئا فشيئا, و بدأت معالم الغرق في أفغانستان و العراق تظهر شيئا فشيئا, بالاضافة الى مواجهتها العديد من الأزمات و القضايا الدولية من النووي الكوري الشمالي الى قضية السلام في الشرق الأوسط الى التراجع في الحرب على الإرهاب الى الأزمات الداخلية التي أخذت تعصف بالولايات المتّحدة الأمريكية.
مضت عدّة سنوات بعدها على العرض الايراني السرّي الى ان وصلنا الى العام 2006, حيث شرع الايرانيون بالاعداد لحملة دبلوماسية لاعطاء اشارة للأمريكيين بأنّهم جاهزين لأي مباحثات مباشرة من دون شروط, و لم تستثن هذه الحملة حتى من يعتبرون انفسهم اعداءا "للشيطان الأكبر" بمن فيهم الرئيس الايراني المحافظ أحمدي نجاد. و قد كانت عملية "تخصيب اليورانيوم" خلال كل تلك الفترة الماضية احدى اهم الأسلحة في الضغط على الولايات المتّحدة لإجبارها على فتح مثل هذا الحوار. فأعلن المتحدّث باسم وزير الخارجية الايرانية "حميد رضا آصفي" في 3 آذار/مارس من العام 2006 أنّ بلاه مستعدّة للتفاوض اذا تخلّت امريكا عن التهديد و الشروط المسبقة لمثل هذا الاجتماع. ثمّ تبعه الرئيس الايراني أحمدي نجاد الذي أبدى في مؤتمر صحفي في 24 نيسان/آبريل رغبته بالحوار مع الولايات المتّحدة الأمريكية.

شكّلت المطالب الايرانية هذه بفتح اتصال مباشر من امريكا احراجا للادارة الأمريكية خاصّة ان عددا من الجهات الداخلية كان قد بدأ يلوم الرئيس بوش و انصاره على تفويت فرصة العام 2003 للتفاوض مع ايران من موقع القوّة و ليس من موقع الضعف و لكنّ هؤلاء كان يبررون موقفهم بأنّ الولايات المتّحدة قوية في جميع الظروف و من ثمّ فانّ ايران ليست قطبا دوليا كالاتحاد السوفيتي مثلا كي تفرض نفسها ندّا للولايات المتّحدة, و هناك بعض الأسئلة التي لا يمكن الاجابة عليها مباشرة و هي كيف يمكن لايران ان تثبت انها لا تسعى الى امتلاك أسلحة نووية, كما انّ النخبة في الأمن القومي الأمريكية تعتقد انّ ما طالبت به ايران هو أكبر بكثير مما يتوافق مع موقعها و قدراتها.

ايران من جهتها رأت في العام 2006 تحولا كبير يحصل لصالحها في عدد كبير من العناصر المؤثرة و هو الأمر الذي يجعل مفاتيح اللعبة في يدها. و من خلال متابعتنا للتصريحات و التحركات الرسمية الايرانية, نستطيع ان نلحظ انّ هناك عددا من المؤشرات التي توحي بأنّ ايران تحاول اعادة احياء "الصفقة الكبرى" عبر استغلال عدد من العناصر و منها:
1- غرق أمريكا كليّا في العراق و أفغانستان.
2- سقوط الجمهوريين في الانتخابات النصفية التي حصلت مؤخرا و وصول الديمقراطيين.
3- استبدال وزير الدفاع الامريكي رامسفلد بـ"جيتس" و هو أحد المنظرين و المطالبين بفتح قنوات دبلوماسية مع ايران من أجل عقد صفقة معها, و قد ضمّن تقريره المرفوع الى مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي هذا الأمر.
4- تقرير لجنة بيكر حول العراق و الذي يوصي بفتح قنوات اتصال مع ايران حول العراق.
5- امتلاك ايران أوراق ضغط و تخريب كبيرة في لبنان عبر حزب الله.
6- استغلال ايران لحماس و عدد من الفرقاء الفلسطينيين.

و بناءا عليه, فقد كانت ايران ترى انّ الولايات المتّحدة اصبحت في متناول يدها و انّ الوقت الأنسب لاعادة طرح "الصفقة الكبرى" على طاولة البحث هو الآن.
يقول "جارثر بورتر" المؤرخ و المهتم بهذا الشأن: "يطرح البعض أنّ العرض الإيراني هو انعكاس للثقة الزائدة التي تتمتع بها إيران نتيجة للكارثة الأمريكية في العراق, و بالتالي عدم الخوف من أي هجوم أمريكي محتمل, بينما يفسّر البعض الآخر سعي ايران الى عرض تسوية شاملة مع الولايات المتّحدة على انّه خوف من وقوع هجوم أمريكي مفاجئ عليها. منذ العام 2003, أقنعت التغييرات الدراماتيكية السياسية التي حصلت في المنطقة و من بينها (وصول نظام شيعي موالي لايران في العراق و نظام صديق لها ايضا في أفغانستان, ازدياد نفوذ و قوّة حزب الله في لبنان بالإضافة إلى حماس و الجهاد في فلسطين), أقنعت ايران على انّ هذا الوقت هو الوقت المناسب للمساومة مع الولايات المتّحدة, و قد أكّد علي ولايتي المستشار الشخصي للخامنئي في العلاقات و الشؤون الخارجية في محاضرة له ألقاها في شهر نوفمبر/تشرين اول "نحن تمتلك القوّة الكافية الآن للمساومة, لماذا لا نساوم؟".
يضيف "بورتر": "الحافز الأساسي الذي يدفع القيادة الايرانية الآن لمساومة الولايات المتّحدة المريكية ليس الخوف من الولايات المتّحدة بقدر ما هو حاجتها اليها لتحقيق هدفين رئيسيّين هما:
أولا: دمج إيران كلّيا في النظام الاقتصادي العالمي.
ثانيا: الاعتراف بمكانتها كقوة اقليمية شرعية في الشرق الأوسط."

و ايّا يكن الأمر, فقد كان أمام بوش خيارين, امّا ان يقبل بتوصيات لجنة بيكر-هاملتون و يأخذ معطيات هزيمته في العراق و أفغانستان بعين الاعتبار و يفتح حوار مباشر مع إيران و يوافق على كل ما تطلبه و هو الأمر الذي كان معظم المراقبين يظن انه سيحصل بما فيهم ايران, و امّا أن يعمل بعكس ذلك و هو الأمر الذي اتّبعه بوش.

ايران تفجّر المنطقة لجر أمريكا للتفاوض و الولايات المتّحدة تحاول تعطيل اوراق ايران الإقليمية قبل الانقضاض عليها
لقد قرّر الرئيس بوش زيادة عدد قواته في العراق لارسال رسالة واضحة الى ايران و الى الجميع باّن امريكا ليست ضعيفة و ستنتهي كليّا من مشكلة العراق.
لا شك انّ غرق أمريكا في العراق يسر ايران, و لكنّها تفاجأت من عرض المقاوميين و بعض الجهات المرتبطة بهم التفاوض مع الأمريكيين بحدود شهر نوفمبر/تشرين ثاني 2006 مقابل انسحابهم من العراق. اذ انّ هذا التطور (في المنظور الايراني) ان تمّ فعلا يعني خسارة حلفائها في العراق لموقعهم السياسي و خروج ايران من المسألة بخفّي حنين, فهي كانت تنوي الاستفادة من مقاومة العراقيين بشكل غير مباشر ليتم تجيير نتائجها اليها في أي مفاوضات مع الأمريكيين.
هذا التطور سرّع من التحرّك الايراني في المنطقة, لان تخلّص الولايات المتّحدة من مشكلتها في العراق سواءا عبر التفاوض مع المقاويين لتمهيد الانسحاب او من خلال اشراك قدر أكبر من السنة العرب في العملية السياسية على حساب الشيعة, يعني انّ ايران خسرت ورقة كان من الممكن ان تفاوض الأمريكيين عليها مقابل مكتسبات.
نفس الامر ينطبق على الوضع اللبناني, حيث تراجع موقع حزب الله عمليا, و تدمّرت بيئته و بنيته التحتيّة و هو كما ذكر "حسن نصرالله" لن يخوض حربا اخرى, و هذا يعني انّ ايران لم يعد بامكانها الاستفادة من خدماته على صعيد الحروب و لم يعد ينفع استخدامه كورقة سوريا او ايرانية في أي تفاوض مع الجهات الدولية , اذ اصبحت قضيته بعد اغلاق الحدود قضية داخلية, و الباقي هو سلاحه فقط و هذا ما يمكنها التفاوض عليه. لذلك يقوم الحزب الآن بحركة انقلابية في الداخل اللبناني ليستعيد المبادرة و يشكل رافعة للدور الايراني في المنطقة.

عندما تمّت اثارة موضوع ضرورة فتح اتصالات مع سوريا و ايران للمساعدة على استقرار العراق و لبنان بعد فوز الديمقراطيين في المجلس, قام الرئيس الايراني احمدي نجاد في 18-11-2006 بتوجيه رسالة عبر وزير الخارجية الايرانية "سيد جليلي" الى رئيس الوزراء الايطالي "رومانو برودي" يعرض فيها عن "استعداد ايران للمشاركة في حل مشاكل الشرق الأوسط إذا اعترف لها بوضع قوة إقليمية". و اذا دققنا في هذه الجملة سنجد أنّها مطابقة تقريبا للبند رقم 5 الوارد في العرض الايراني السرّي للعام 2003!!
أهملت الولايات المتّحدة رسالة نجاد و ردّ بوش بطلب المساعدة من العرب في حل المعضلتين العراقية و اللبنانية بدلا من ان يفتح قناة اتصال مع سوريا و ايران.
أصبح على ايران ايجاد بدائل تستطيع من خلالها جر الأمريكيين للتفاوض معها و تكون قادرة على تلبية المطالب التي ستطلب منها حال الاتفاق على ذلك. لذلك وجدت ايران انّ الجبهة العراقية و الجبهة اللبنانية هي من اكثر الجبهات التي لها نفوذ كبير جدا فيها و تستطيع استغلالها لدفع الامريكيين الى مفاوضات.و لذلك قامت بخطوتين:
-الأولى: دفع حزب الله الى تصرف غير مفهوم و للمرة الأولى في تاريخه الى صراع سياسي داخلي و انتقل الحديث من الحرب و الأسرى و الدمار الى الحديث عن ضرورة اسقاط الحكومة التي تسعى لاخلاء لبنان من النفوذ السياسي الايراني و السوري. و قد قام السيد حسن نصرالله بتاريخ 23-11-2006 بالقاء خطاب من اجل تحديد ساعة الصفر للاطاحة بالحكومة اللبنانية.
- الثانية: دعم الميليشيات الشيعية في العراق و فرق الموت للاصطدام بالسنّة و خلق فتن كبيرة بحيث تظهر الادارة الأمريكية غير قادرة على ضبط الوضع و بالتالي عندما يريد الامريكيون معالجة الأمر فانّه لا بد و انّ يرجعوا الى ايران لا الى العرب لأنّ العرب لا نفوذ لهم على المقاومة العراقية او على الميليشيات الشيعية و جيش المهدي. و لذلك قامت ايران بخطوة غير مسبوقة بهذا الحجم المفضوح بتزويد جيش المهدي و فيلق بدر بأموال طائلة و أسلحة تمّ ضبط بعضها و تبين انّها صناعة ايرانية انتاج العام 2006. و هذا يعني انّ هذه الأسلحة لم تصل الى الميليشيات الشيعية عبر وسيط او السوق السوداء لأنّها لو كانت كذلك لكان تاريخ الانتاج سيكون أقل بسنتين على الأقل, و هذا يعني تورّط الحكومة الايرانية بالمسألة مباشرة او الحرس الثوري. و قد حصلت تفجيرات مدينة الصدر بتاريخ 23-11-2006 أيضا و هو نفس نفس تاريخ اعلان السيد حسن نصرالله.

تبع النشر الايراني للفوضى في المنطقة و تفجيرها في وجه الأمريكيين عرض آخر بالمساعدة. ففي 27-11-2006, رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية امام حشد من "الحرس الثوري" يقول: "الأمة الإيرانية مستعدة لانتشالكم (أمريكا و بريطانيا) من ذلك المستنقع (العراق)". يتابع أحمدي نجاد: "بشرط واحد, عليكم أن تتعهدوا بتصحيح نهجكم، عودوا وخذوا قواتكما إلى ما وراء الحدود. و ستكون أمم المنطقة بقيادة الأمة الإيرانية مستعدة لإظهار طريق الخلاص لكم".


الفصل الأخير: ايران تخسر أوراقها و تخصيب اليورانيوم الورقة الوحيدة... الولايات المتّحدة تحشد عسكريا لضرب ايران أم للتفاوض معها؟
لم تنجح الألغام الاقليمية التي وضعتها ايران في فلسطين و العراق و لبنان بعد ان تمّ تحليل عناصرها و تفكيكها , فهي قد فشلت عبر تفجيرها للمنطقة في جر الولايات المتّحدة للتفاوض, و انعكس ذلك سلبيا عليها خاصّة بعدما بذلت المملكة العربية السعودية جهدا دبلوماسيا كبيرا في تنفيس الألغام السياسية و الاجتماعية التي زرعتها ايران في العراق, لبنان, و فلسطين. لقد ادّت التهدئة الى سحب هذه الأوراق من يد ايران, و استغلت الولايات المتّحدة ذلك في الترويج غير المباشر في التحضير لحملة عسكرية ضدّ ايران لتعطيها رسالة قويّة بانّ تحركاتها جدّية, و قد عزّزت ذلك بعدد من التحركات منها:
1- ارسال حاملة الطائرات الأمريكية (USSC) حمل على متنها جناح الطيران التاسع، المكون من خمسة آلاف ضابط وبحار وعنصر من مشاة البحرية, و التي ستنضم مع أربع سفن حربية وثلاث مدمرات إلى القوات العاملة في منطقة الخليج قريبًا.
2- منح قواته في العراق رخصة لاعتقال او قتل عملاء ايران النشطين في العراق، والذين اعلنت حركة مجاهدي خلق الايرانية المعارضة لائحة باسماء اكثر من 31 الفا منهم.
3- مداهمة القوات الأمريكية لمبنى القنصلية الإيرانية في مدينة أربيل، شمال العاصمة بغداد، حيث اعتقلت عدداً من بين العاملين بالمبنى و صادرت العديد من الوثائق السرية الخطيرة.
4- اعتقال عدد من الدبلوماسيين الايرانيين في العراق من بينهم اثنان مما قيل انّهم ضباط في الحرس الثوري من أجل التحقيق معهم.

كل هذه التحركات التي تمّت خلال الشهر الاول من سنة عام 2007 كان الهدف منها ايصال رسالة واضحة الى ايران باّن الولايات المتّحدة قررت خوض تصعيد كبير ضدّها و انّ الاعتقاد بانّ الولايات المتّحدة ضعيفة هو خطأ استراتيجي سيوقع ايران في خطأ حسابات قاتل.
و فجأة عاد الحديث عن موضوع العرض الايراني السرّي العام 2003, حيث عرضت القناة الثانية في هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي في 17-1-2007 ما قاله "لورنس ويلكرسون" مساعد وزير الخارجية السابق كولن باول لبرنامج نيوزنايت (أخبار الليلة) من أنّ ايران كانت قد عرضت العام 2003 على الولايات المتحدة حزمة من التنازلات, مضيفا: "اعتقدنا أنها كانت فرصة سانحة [لقبول العرض] ... لكن وبمجرد أن رُفع العرض الإيراني إلى البيت الأبيض، وبمجرد بلوغه مكتب نائب الرئيس، حتى عادت إلى الظهور تعويذة:نحن لا نتعامل مع الشيطان" و تمّ رفضه.
و ترافق ذلك مع ما ذكرته وزيرة الخارجية الأمريكية "رايس" في جلسة استماع امام الكونجرس الأمريكي من أنها لم تتبلغ بهذا العرض في تلك الفترة عندما كانت مستشارة الامن القومي للرئيس جورج بوش. وقالت "لم اكن في وزارة الخارجية في تلك الفترة"، مضيفة "انطلاقا مما فهمته، انه فاكس وصل الى الخارجية",لكن "اذا ما قرأتم تعليقات ريتشارد ارميتاج حول طبيعة هذا الفاكس، تدركون ربما لماذا لا يشكل هذا الفاكس وثيقة جذبت انتباها كبيرا لدى الادارة...ان مصادره (الفاكس) كانت تدعو الى الشك"، مبدية موافقة ضمنية على قرار ارميتاج بالامتناع عن ابلاغها شخصيا بهذا العرض. ورفضت رايس التوضيح العلني لمضمون هذا الفاكس، لكنها وعدت بإجابة الكونجرس خطيا.
من المؤكّد انّ هذه الضجّة التي تمّت اثارتها في هذه الفترة بالذات حول موضع "العرض الايراني" لم تكن عفوية و لم تكن عشوائية, فالهدف على ما يبدو اعادة فتح الموضوع و لكن عبر وسائل الاعلام و ليس بالطرق الدبلوماسية, و كأنّ الادارة الأمريكية تقول للايرانيين: "نحن مستعدون الآن لمناقشة هذا العرض ...اتصلوا بنا", بالطبع الفترة هذه مؤاتية لفتح نقاش خاصّة في ظل السخط الاقليمي و الدولي العربي و الغربي على ايران و مشروعها التخريبي في المنطقة –و الذي لا يقل ضررا عن المشروع الامريكي نفسه-, لانّ ايران ستكون تحت ضغوطات كبيرة خلال أي مفاوضات تجري.
لجأت ايران الى الاتصال بالمملكة العربية السعودية علّها تكون الجسر الذي يوصلها الى الولايات المتّحدة الأمريكية و كانت قد توسطت سابقا عبدالعزيز الحكيم فحمّلته رسالة الى الأمريكيين بهذا الخصوص. و ما لبث الرئيس الايراني أحمدي نجاد ان اعلن في الذكرى الثامنة والعشرين لانطلاق الثورة الاسلامية في ايران في 12/2/2007 عن استعداده للتفاوض و الحوار و لكن دون شرط وقف تخصيب اليورانيوم, و هو الشرط الذي تطلب واشنطن من طهران تنفيذه قبل أي مباحثات. فقد قال نجادي: "اذا كنتم مستعدين للتفاوض، لماذا تصرون على وقف (تخصيب اليورانيوم)؟ اذا علقنا انشطتنا، فعن ماذا ستتحدثون؟.... نحن مستعدون للتفاوض تحت شروط نزيهة وعادلة.. اننا نرفض الشروط التعجيزية ولن نقبل تعليق التخصيب كشرط مسبق للحوار".
هذا و قد اعادت "رايس" طرح عرض المفاوضات المباشرة بشرط ايقاف التخصيب و ذلك في برنامج امريكي استضافها على الهواء مباشرة, فأشاد وزير الخارجية الايرانية بالجزء الأول من كلامها و ردّ "لاريجاني": "انّ ايران مستعدة ايضا و لكن يجب على الولايات المتحدة ان تطرح ذلك بطلب رسمي و ليس عبر وسائل الاعلام", و لم يعلّق على مسألة التخصيب.

هل يكون رافسنجاني رجل المرحلة؟...الخطأ في الحسابات الايرانية قد يؤدي الى حرب مدمرة
في هذه المرحلة بالذات و بدلا من أن يتم فتح خط اتصال بين الطرفين, كان هناك اصرار ايراني بعدم ايقاف التخصيب لانها كما يبدو الورقة الاخيرة التي يمتلكها النظام الايراني في التفاوض على مطالب مهمة من الغرب, و من أجل ذلك فقد بدا التعنت الايراني كبيرا و هو الأمر الذي دفع الادارة الامريكية متمثلة في ديك تشيني بالتصريح بانّ كل الحتمالات مفتوحة, دون ان تهمل طبعا ترك الباب الخلفي مفتوحا للمفاوضات التي يسعى الطرفين الى عقدها كلّ بشروطه, و ارسلت الادارة الامريكية عددا من الاشارت في هذا المجال خاصّة بعد ان اصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تقريرها في 22 شباط/فبراير 2007 و الذي ذكرت فيه
انّ ايران لم تلتزم بالمهلة المعطاة لها بناءا على قرار مجلس الامن الصادر في كانون اول/ديسمبر 2006 للاستجابة لمهلة الستين يوما التي منحها اياها لوقف تخصيب اليورانيوم.
وعندما سئلت "رايس" بعد هذا التقرير عن امكانية القيام بتدخل عسكري ضد ايران، اجابت: "كنا في غاية الوضوح باننا ملتزمون بالطريق الدبلوماسية، ونعتبر ان الطريق الدبلوماسية يمكن ان تتكلل بالنجاح ان بقيت الاسرة الدولية موحدة", فيما اشار تشيني الى انّ " كل الخيارات مطروحة لثني إيران عن امتلاك السلاح النووي". و تمّ تسريب سيناريوهات عن تحضيرات امريكية و تحضيرات اسرائيلية عسكرية للقيام بهجوم كاسح على ايران, مما استدعى مساعد وزير الخارجية الايرانية "منوشهر محمدي" الى الرد قائلا: " مستعدون لمواجهة كل الاوضاع, بما فيها نشوب حرب... ليس لدينا اي مشكلة في التعامل مع الولايات المتحدة ....عقدنا لقاءات غير رسمية مع الولايات المتحدة بشأن افغانستان والعراق لكنهم يقولون انه يجب علينا ان نقبل شروطهم قبل التفاوض.. لكننا اذا قبلنا شروطهم فلا مبرر للتفاوض. ولذلك كنا دائما نقول اننا مستعدون للتفاوض مع الولايات المتحدة بدون شروط لكنهم لم يقبلوا ذلك حتى الان".
و يبدو انّ الرد الايراني الواثق من أنّها مستعدة حتى للحرب هو ردّ وهمي ينطلق من رؤية مفادها انّ الولايات المتّحدة ضعيفة و في مأزق داخلي و خارجي و انّ كل المعطيات من ارتفاع اسعار البترول الى سيطرة ايران على مضيق هرمز و امكانية تهديدها خطوط نقل النفط العالمية تشير الى عدم امكانية شن الادارة الامريكية أي حرب على ايران.
ستكون ايران في غاية الغباء اذا راهنت على أنّ وضع أمريكا الحالي الغارق في العراق و أفغانستان و وضع الادارة الأمريكية الضعيف جماهيريا في الداخل و ارتفاع اسعار النفط و غيرها من العوامل قد تحول دون تمكين امريكا من شن هجوم على ايران. لا يمكن المراهنة على هذا التصوّر و ذلك لانّ القيادة الأمريكية الحالية و الادارة المساندة لها هي قيادة غير عقلانية, بمعنى انّها اذا ارادت القيام بالعمل فانها لن تقيم وزنا لهذه القيود, فالقيادة الغير عقلانية تكون خطيرة جدا و الأخطر ان يقوم خصمها ببناء خطواته على اساس اعتبار انّ القيادة الأولى ستقوم بردود فعل عادية او خطوات عقلانية مدروسة كما جرت العادة, و هنا يكون الخطر مضاعفا و النتائج أكثر كارثية (وقع حزب الله اللبناني في هذا الخطأ في المعركة الاخيرة ). و على الرغم من ذلك فأمريكا لا تزال في الاطار العقلاني طالما انّ باب المفاوضات مفتوح. لكنّ التصعيد يعني انّ المعركة قد تبدأ قريبا, اذ تفيد بعض التقارير أن مكتب نائب الرئيس ديك تشيني وأنصار الخيار العسكري من خارج الإدارة يعتقدون أن الوقت قد حان من أجل اتخاذ قرار حاسم في هذه المسألة. و لذلك و بما انّ للادارة الامريكية سنتين قبل انتهاء ولايتها و بما انّ السنة الأخيرة تكون القيادة الامريكية فيها في حالة "البطّة العرجاء" شلل تقوم بتصريف الأعمال و لا تتّخذ عادة أي قرارات حاسمة سياسية و عسكرية, فهذا يعني انّ العام 2007 قد يكون عام الحسم عسكريا.
و نظرا لان العملية العسكرية ستكون فجائية على الأرجح و سريعة و خاطفة و في توقيت مفتوح, فانّ فصل الشتاء سيتم تجاهله لصالح الربيع, او بداية الصيف, و لا بدّ انّ القيادة الأمريكية ستأخذ بعين الاعتبار أفضلية الهجوم على المنشآت النووية قبل أن يتم تشغيلها لتلافي أي تسرّب للاشعاعات (مفاعل بو شهر سيتم تسليم الوقود النووي له من روسيا في آذار/ مارس 2007, و سيتم تشغيله في أيلول من نفس العام). و بناءا على المعطيات فقد يؤذّن شهر آذار من العام 2007 لبداية مثل هذه السيناريوهات العسكرية على ان لا يتجاوز شهر ايلول و هو تاريخ تشغيل المفاعلات الايرنية. فهل ستقع ايران في خطأ آخر للحسابات؟
انطلاقا من هذه الاعتبارات, يبدو انّ هناك تحركات ايرانيّة سريّة لتفادي وقوع هذه الحرب و ان بدت السجالات الاعلامية غير ذلك, فالمتتبع لأوضاع ايران يرى انّ رئيس تشخيص مصلحة النظام الشيخ هاشمي رافسنجاني اصبح يتمتع بقدرة اكبر على لعب دور سياسي بعدما كان الرئيس الايراني يحتكر كل أوراق اللعبة, و يبدو انّ هذا التغيير تمّ بتوجيهات عليا من مرشد الجمهورية الايرانية الخامنئي ليستطيع رافسنجاني ان يلعب دورا مشابها للدور الذي لعبه بتكليف من الخميني في فضيحة ايران-جيت. و قد بدأت ملامح هذا الدور تظهر شيئا فشيئا في اشارة ربما انتهاء دور الرئيس نجاد الذي استنفذ غرضه من التصعيد. حيث باشر رافسنجاني في شهر شباط/فبراير 2007 حملة تصريحات دبلوماسية في مختلف الاتجاهات سواءا للداخل الايراني او للولايات المتّحدة, بعدما تسربت اخبرا عن تشكيل خلية "أزمة" تضمّه الى جانب ارئيس السابق "خاتمي" و ذلك لايجاد مخرج للمأزق في العلاقة مع أمريكا و الوضع الاقتصادي الداخلي المخزي و الحرج.
و قال "رفسنجاني" في تصريح له في أواخر شباط/فبراير 2007 ردّا على سياسات احمدي نجاد المتشددة: "على المتطرفين في إيران صون ألسنتهم لئلا تتعرض الجمهورية الإسلامية للخطر". وغمز من قناة نجاد قائلاً: "لن يحققوا نتائج بهذه الطريقة بل ستخلق لهم مشاكل وللعالم، خصوصاً منطقتنا", "علينا ان نكون اكثر حذرا, فانهم (الاميركيون) مثل نمر جريح ويجب عدم الاستهانة بهم"
فهل سنشهد عقد صفقة ايرانية-أمريكية جديدة بغض النظر عن شموليتها امّ انّ ايران ستقع في خطأ فادح للحسابات يقودنا الى جحيم الحرب مباشرة؟
---------------
رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 09:56 PM


Powered by vBulletin® Version 3.6.7
Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd.